نصر حامد أبو زيد
135
الاتجاه العقلي في التفسير
تتقدم من المخاطب لغة لم يعلم مراده ، عزّ وجلّ ، بكلامه ، لأنه إنما يعلم ذلك متى تقدّم منه ما يقتضي صرف خطابه إلى ما تعارفه من اللغات ، فيكون خطابه دلالة على مراده بتقدم المواضعة » 134 . وإذا كانت معرفة قصد المتكلم بالكلام هي معرفة اضطرارية ، فإن معرفة قصد اللّه بكلامه هي معرفة استدلالية عند المعتزلة . وقد سبقت الإشارة في الفصل السابق إلى أن قضايا العدل والتوحيد هي قضايا عقلية في الأساس الأول ، وهي سابقة في معرفتها على الدلالة الشرعية ، وهي دلالة الكلام . ومعنى ذلك أننا بالعقل نعرف قصد اللّه وما يصحّ أن يختاره ويأمر به وما لا يجوز عليه من ذلك . وهذه المعرفة تمكننا من صحة الاستدلال بكلامه عز وجل . ولا يمكن عند المعتزلة أن يدل كلام اللّه على خلاف ما دلّ عليه العقل « لأن الناصب لأدلة السمع هو الذي نصب أدلة العقل فلا يجوز فيهما التناقض » 135 . وبناء على ذلك فإذا ورد في كلام اللّه - الدلالة الشرعية - ما يدل ظاهره على خلاف ما يدل عليه العقل وجب علينا أن نتأوله لأن الدلالة الشرعية والدلالة العقلية يتطابقان ولا يتناقضان « واعلم أن ورود الشرائع والمصالح على المكلف أشدّ مطابقة لما في عقله ومناسبة لما يرد على المكلف من اختلاف الأمور التي تختلف بالعادات والتجارب . يبين ذلك أن ما يرد بالسمع يكون علما مقطوعا لأنه لا يجوز خلافه ، كما لا يجوز خلاف ما في العقول ، ولأن ما يرد بالسمع تكليف كما أن ما يرد بالعقل تكليف من قبل القديم ، وكشف العقل عنهما وعن وجوبهما وطريقة وجوبهما لا يختلف . ولذلك قلنا : إن أصل التكليف يقتضيه العقل كما أن السمع يقتضيه العقل واقتضاءه لهما لا يختلف » 136 . وهكذا يصبح التأويل ضرورة لا محيص عنها لرفع التناقض الظاهري بين أدلة العقل وأدلة الشرع . والسلاح الذي يستعمله المعتزلة للتأويل هو سلاح المجاز ، وإذا كنا في الفقرة السابقة قد ركّزنا على وجه المجاز في الاسم المفرد ، فإن علينا الآن أن نحدد كيفية الانتقال في الدلالة في التركيب ولقد سبق أن أشرنا إلى توحيد القاضي بين الصيغ اللغوية وردها كلها إلى معنى الخبر . والخبر لا يمكن أن يقع خبرا إلّا بقصد المتكلم وارادته ، ومن حق المخبر - والحال هذه - أن يلغز في كلامه ويعرض ويستخدم المجاز « لو كان ما يتعلق بالخبر بزيد يستحيل تعلقه بغيره بالقصد ، لبطل التوسع ، لأنه إنما يتجوّز باللفظة إلى أن تستعمل في غير ما وضعت له ، ولهذا يحتاج الحكيم أن يدل عليه ، من حيث لولا الدلالة لكان ظاهرها كما وضعت له وفي هذا ابطال القول به . وقد أباح اللّه تعالى ذلك بقوله : إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ